الشيخ محمد رشيد رضا
91
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وهم الذين عطفهم على ذوي القربى بقوله وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ فان اللّه تعالى يوصي باليتامى في مثل هذا المقام لان اليتيم يهمل امره بفقده الناصر القوي الغيور وهو الأب ، أو تكون تربيته ناقصة بالجهل الذي هو جناية على العقل ، أو فساد الاخلاق الذي هو جناية على النفس ، وهو بجهله وفساد أخلاقه يكون شرا على أولاد الناس يعاشرهم فيسري إليهم فساده ، وقلما تستطيع الام أن تربي الولد تربية كاملة مهما اتسعت معارفها . وكذلك المساكين لا تنتظم الهيئة الاجتماعية الا بالعناية بهم وصلاح حالهم فان اهمل أمرهم الأغنياء كانوا بلاء وويلا على الناس . وقلما ينظر الناس في المسكنة إلى غير العدم وصفر الكف والمهم معرفة سبب ذلك فان من الناس من يكون سبب عدمه وعوزه ضعفه وعجزه عن الكسب ، أو نزول الجوائح السماوية تذهب بماله من غير تقصير منه ، وهذا هو المسكين الحقيقي الذي تجب مواساته بالمال الذي يقع موقعا من كفايته ، ومنهم العادم الذي ما عدم المال الا بالاسراف والتبذير والمخيلة والفخفخة الباطلة ، ومنهم العادم الذي ما عدم المال الا لكسله واهماله للكسب طمعا فيما في أيدي الناس واتكالا عليهم ، أو بسلوكه فيه مسلك الغش والخيانة حتى يفضح سره ويظهر امره فيحبط عمله ، فالمساكين على ضربين : مسكين معذور يساعد بالمال ينفقه أو يساعد على تحصيله بكسبه ان كان قادرا على ذلك ، ومسكين غير معذور يرشد إلى تقصيره ، ولا يساعد على اسرافه وتبذيره ، بل يدل علي طرق الكسب ، فان اتعظ وقبل النصح ، والا ترك أمره إلى أولي الامر ، واللّه بصير بالعباد ، اه بتصرف وزيادة واختصار ثم قال تعالى : وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ الجوار ضرب من ضروب القرابة فهي قرب بالنسب ، وهو قرب بالمكان والسكن ، وقد يأنس الانسان بجاره القريب ، ما لا يأنس بنسيبه البعيد ، ويحتاجان إلى التعاون والتناصر ما لا يحتاج الأنسباء الذين تناءت ديارهم . فإذا لم يحسن كل منهما بالآخر لم يكن فيهما خير لسائر الناس ، وقد اختلف المفسرون في الجار ذي القربى والجار الجنب فقال بعضهم الأول هو القريب منك بالنسب والثاني هو الأجنبي لا قرابة بينك